أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
25
عجائب المقدور في نوائب تيمور
ذكر تصميمه العزم وقصده جمع الأطراف وأولا ممالك خوارزم فحين أمن مكرهم ، وسد بالمصالحة ثغرهم ، صمم العزم على التوجه إلى ممالك خوارزم ، وهم مجاوروه غربا بالشام ، ومباينوه بتمشيه قواعد الإسلام ، وتختهم مدينة جرجان ، وهي من أعظم البلدان ، وهذه المملكة ذات مدن عظيمة ، وولايات جسيمة ، تختها مجمع الفضلاء ، ومحط رحال العلماء ، ومقر الظرفاء والشعراء ، ومورد الأدباء والكبراء ، ومعدن جبال الاعتزال ، وينبوع بحار أهل التحقيق من أرباب الهدى والضلال ، نعمها كثيرة ، وخيراتها غزيرة ، ووجوه فضائلها مستنيرة ، واسم سلطانها « حسين الصوفي » ، وهو من الاعتقادات الباطلة قد عوفي ، ومدن ما وراء النهر وضع بعضها قريب من بعض ، لأنها كلها مبنية باللبن والآجر على الأرض ، وأهل خوارزم كأهل سمر قند في اللطافة ، وأفضل من أهل سمرقند في الحشمة والظرافة ، يتعانون المشاعرة والأدب ، ولهم في فنون الفضل والمحاسن أشياء عجب ، خصوصا في معرفة الموسيقى والأنغام ، ويشترك في ذلك منهم الخاص والعام ، ومما هو مشهور عنهم ، أن الطفل في المهد منهم ، إذا بكى أو قال آه ، فإن ذلك يكون في شعبة دوكاه « 1 » ، فلما وصل تيمور إلى خوارزم ، كان حسين صوفي غائبا عنها ، فنهب حواليها وما وصلت يده إليه منها ، ولم يقدر عليها ، فلم يكترث بها ولا التفت إليها ، ثم لم أطراف حاشيته ، وعاد إلى مملكته . ذكر عوده ثانيا إلى خوارزم ثم إنه شدّ حزام الحزم ، وكرّ ثانيا إلى خوارزم ، باستعداد تام ، وجيش طام ، وكان سلطانها أيضا غائبا ، وأقام لجميلة بكرها خاطبا ، فحاصرها ، وصابرها ، وشدد على أعناق مسالكها التلابيب ، وكاد أن يتشبث بأذيالها
--> ( 1 ) - مرتبة من مراتب الصوت في الغناء . معجم الموسيقى العربية ، تأليف د . حسين علي محفوظ - ط بغداد 1964 - ص 77 .